“يداك أوكتا وفوك نفخ يا أردوغان” د.أديب عارف عضو قيادة الجالية السورية في أوكرانيا.

لا يخلو تاريخ أدبنا العربي القديم من روائع الأحداث و القصص التي أصبحت مضرب مثل وحكمة نتعلم منها و نستفيد من عبرتها ودروسها ,على مستوى أشخاص ومجتمعات و دول. لكنني لم أجد قصة تقارب وتحاكي المشكلة التي يعيشها أردوغان ورهطه ,أكثر من قصة المثل الذي يقول : ” يداك أوكتا وفوك نفخ ” . حيث تحكي لنا قصة رجل مغرور أراد أن يقطع نهرا وهو لا يجيد السباحة ,فنفخ قربة ماء وربطها ثم نزل يسبح في النهر وما أن وصل إلى منتصف النهر حتى فرغت القربة من الهواء لسوء وكائها وأوشك الرجل على الغرق ,فاستنجد برجل على ضفة النهر , فقال له :يداك أوكتا و فوك نفخ , أي لا تلومن إلا نفسك فيما أوقعت نفسك فيه من سوء فعلك .

وضع أردوغان نصب عينيه إعادة أمجاد أجداده العثمانيين منذ أن انشق مع صديقه عبدالله غول وأسس حزب العدالة و التنمية ,وتعلم من أخطاء أستاذه أربكان وكان مستعدا ليفعل أي شيء ويكذب أي كذبة ليبعد عن نفسه أي شبهة باستمرار علاقته أو صلته الفكرية بأربكان و تياره الإسلامي المغضوب عليه من قبل المؤسسات العلمانية في تركيا . فطوبز أردوغان حيث لم يطوبز استاذه وتنازل حيث لم يتنازل وتعهد باحترام علمانية الدولة والمحافظة على الخطوط العامة لسياسة تركيا الخارجية والداخلية وتعهداتها والتزاماتها وأهمها علاقتها باسرائيل , فكان للرجل ما أراد وأصبح رئيسا للوزراء في 2003 ولغاية 2014 حيث أصبح و مازال رئيسا للبلاد . وجد أردوغان الذي بدأ حياته ببيع البطيخ كما قال هو نفسه ,وهذا ليس عيباً, أن بينه وبين حلمه في إعادة العرب إلى الحظيرة العثمانية نهرا كبيرا لا بد أن يقطعه وإلا فالحلم بعيد المنال إن لم يكن مستحيلا .هذا النهر هو ” سوريا ” ,نعم إنه النهر السوري الذي طالما أغرق السباحين العظام ناهيك عن بياعين البطيخ .

لكن الذي شجع أردوغان على مغامرة عبور النهر السوري العظيم شيئان اثنان هما, رياح الربيع الصهيووهابية و قربته الإخوانية التي لم تكن تحتاج من أردوغان أكثر من أن ينفخ فيها سموم مذهبيته و طائفيته ليركبها وتحمله إلى ضفة الحلم حيث كرسي السلطنة بانتظاره . لم يترك أردوغان إخونجيا ولا إرهابيا ولا مجرما ولا غبيا ,إلا وحقنه في تلك القربة التي ظن بأنه قد أحكم ربطها فأسرع بالنزول إلى النهر السوري الكبير مستغلا رياح الربيع الصهيووهابي وتياره الجارف إلى حيث الحلم الأردوغاني المزعوم . لكن بياع البطيخ ,وبعد مرور أكثر من خمسة أعوام على مغامرة عبوره , لم يستطع أن يقطع النهر السوري , وها هي قربته الأخونجية قد بدأت بالتنفيس السريع لإرهابييها الذين يفطسون واحد تلو الآخر في النهر السوري , ومن ينجو منهم يرتد ويعود إلى اسطنبول وانقرة أو إلى البلدان التي اشتروه منها لينفجر في المطارات والحانات و الساحات العامة .

نعم إن أردوغان اليوم يصرخ وهو في منتصف النهر السوري الخطير معتذرا من القيصر الروسي الذي يحاصره ويزيد في أسباب غرقه , ويصرخ للإسرائيلي مستنجدا ومطبّعا للعلاقات معه بأي وسيلة متنازلا عن أخلاقه و مبادئه التي صرعنا بها وكذب علينا وعلى العالم العربي و الإسلامي بأنه لن يطبع مع اسرائيل إلا بعد رفع الحصار الكامل عن قطاع غزة ,فها هو يرضى بتعويض مالي قدره عشرون مليون دولار ثمنا لمبادئه وأخلاقياته . نعم إن أردوغان اليوم يصرخ بعد أن تأكد أن القربة الأخونجية لا يمكن الوثوق بها حتى لو ربطها بأطول ذقن وهابية فهي لا بد أن تنفجر بصاحبها وتغرقه عاجلا أم آجلا .ويصرخ لأنه أخطأ تقدير عمق النهر السوري وأبعاده وحدوده الجغرافية والتاريخية و السياسية والحضارية .ويصرخ لأنه أخطأ تقدير ثقة الشعب السوري بجيشه وحبه ودعمه اللامتناهي لهذا الجيش العظيم . لكن أكثر ما يجعل بائع البطيخ يصرخ اليوم, هو خوفه و رعبه وهو يرى أن كل ما تم تخطيطه من تدمير وتهجير و تقسيم لسوريا , بات اليوم يهدد تركيا نفسها تماما كما هددوا به سوريا .

على كل حال الصراخ الحقيقي سنسمعه قريبا من أردوغان بياع البطيخ , وكل ما نستطيع قوله له اليوم : ” يداك أوكتا وفوك نفخ يا أردوغان ”

تاريخ النشر

07.02.2018

قراءة المزيد: