☆☆ لماذا ينسحـبُ الأميركيّ..وتـركـعُ السّفـاراتُ عنـد قـدميْ قـاسيـون؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نارام سرجون

لمـاذا ينسحـبُ الأميركيّ..وتـركـعُ السّفـاراتُ عنـد قـدميْ قـاسيـون؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لن أكتفي بالمشي ميليْن مع الزّاعمينَ أن ماحدث في سورية كان “ثورة عفوية”، وأنها كانت “سِلْميّة”، وأنها “أُجبرت على التسلّح”، بل سأسير مع هؤلاء أميالاً عديدة، وأصدقهم، ولن أعاند من يصرّون على أنّ الدولة السورية استعملت البراميل المتفجرة ــ كما يتخرّص هؤلاء ــ وسأصغي للغاضبين الصّارخين إننا “اخترعنا حكاية المؤامرة الكونية” وإننا “اخترعنا داعش”، أيضاً..

سأصغي، وأصغي، واصغي، ولن أقاطع أحداً منهم، ولكنْ، بعد أن ينتهي هؤلاء من بكائهم وصراخهم وعويلهم وشقّ الأثواب على “الضحايا الأبرياء” وعلى “ثورة الكرامة”، سأستأذنهم، وأطلب منهم أن يصغوا، كما أصغيت، إلى تقرير وزارة الدفاع الروسية، الذي صدر، حديثاً، وقدّم احصائية دقيقة لعدد الارهابيين، الذين تمت تصفيتهم، خلال عام 2018، في سورية، فقط، إذ قدّر التقرير هذا العدد بما يفوق 23 ألف مسلح من مختلف تشكيلات المجموعات المسلحة، وتم احصاء 159 دبابة مدمرة للإرهابيين، و57 عربة مدرعة، وأكثر من 900 مدفع، و3000 سيارة مزودة بمدافع رشاشة من العيار الثقيل.

ولكنّ الإحصائية تلفت النظر الى أن عدد قتلى المسلحين، منذ عام 2015، فاق 87000، وأن عدد الدبابات التي دمرت لهم فاق 650 دبابة، وأكثر من 700 عربة قتالية، وألف معسكر ميدانيّ، و10 ألاف مستودع للذخيرة والوقود.
واذا أضفنا إلى هؤلاء عدداً مماثلاً من القتلى الإرهابيين، الذين تمت تصفيتهم أثناء المواجهات بينهم وبين الجيش السوري، منذ نهاية عام 2011 وحتى نهاية عام 2015، سنجد أنّ جيوش الإرهاب التي تم تدميرها فقدت قرابة 200 ألف عنصر، وسيكون عدد الجرحى، عموماً، ضعفيْ هذا العدد أو ثلاثة أضعافه، على الأقل. وإذا أضفنا إلى هؤلاء أعدادَ المقاتلين الإرهابيين، الذين تم تحميلهم بالباصات الخضراء إلى إدلب (الخزّان الاكبر الباقي للإرهاب) وعددهم يقدر بـ 70 ألفا (ويقال 100 ألف)، فإننا نجد أن عدد العناصر البشرية، التي كانت تشكل جسم الارهاب والمؤامرة العسكرية، يقارب نصف مليون مقاتل ما بين سوريّ وأجنبيّ من مختلف الجنسيات.
وأنا لاأزال أقف مشدوهاً من صور الأسلحة المصادَرة وكمياتها الهائلة، التي يعرضها التلفزيون السوريّ، حيث تبدو أرتال الدبابات والمدافع والرشاشات والذخيرة بلا نهاية، بل إن الجيش صادر كميات هائلة تقدّر بآلاف الأطنان من المتفجراتِ، لم يعد بالإمكان استيعابها، وهو يضطر إلى إتلافها بتفجيراتٍ كبيرة، شبه يومية، ينبه إليها عبر وسائل الإعلام (يعادلُ حجم جبال المتفجرات المصادَرة والتي كانت في أيدي الإرهابيين حجمَ ما صادره الأميركيون من الجيش العراقي، بعد احتلال بغداد).

والرّقم الصّادم الآخر، في الإحصائية، هو عدد الدبابات المدمَّرة للإرهابيين، منذ عام 2015، الذي تجاوز 650 دبابة ومئات المصفحات و10 آلاف مستودع للذخيرة والوقود، مع العلم أنه لاتزال في حوزة المسلحين أعداد كبيرة أخرى، في إدلب، وهذا يعني أن الجيش الإرهابي بلغ في مجموعه نصف مليون مقاتل، ومعه 1200 دبابة، على الأقل، إضافة إلى آلاف المصفحات، وهو ضعفُ عدد الجيش الألماني السادس الشهير (فيرماخت)، الذي وصل عديدُه إلى 285000، واحتلّ أوروبا، ووصل إلى ستالينغراد، بعد أن شارك في معارك بلجيكا وفرنسا وفنلندة ورومانيا وأوكرانيا، قبل أن يحطّمه السوفييت في ستالينغراد، ويستسلم منه 106 آلاف، لم يعد منهم، في نهاية الحرب، إلا 60 ألفا.

وقد يقول قائل إن الأرقام الرّوسية مبالغ بها، وإذا قبلنا أن نسير مع هذا الزعم، وأصغينا، من جديد، لهؤلاء الزاعمين، فإن علينا ــ ونحن نصغي ــ أن نتذكر أن الروس اضطروا إلى شنّ ما بين 90 إلى 100 ألف غارة جويّة لإيقاف تمدّد جيوش الإرهاب، وهذا رقم كبير، جداً، مما يعني أنهم كانوا يتعاملون مع جيش ضخمٍ وشديد التدريب والتسليح ومنتشر، بكثافة على نطاقٍ واسع من الأرض، لدرجة انه وزع مخازنه على 10 آلاف نقطة، مما يعطي الارقام الروسية تطابقاً منطقياً مع عدد الغارات. وكذلك، علينا أن نتذكر أن التقديرات الأميركية لــ”داعش”، فقط، أنها مسلّحة، جداً، وأن مشروع اقتلاعها قد يستمر 20 ــ 30 سنة.. وربما أكثر، وسبب التقديرات واضح، وهو أن الأميركي كان يدرك ماذا يملك هذا الجيش، وماهي إمكانات صموده.

كل هذا يقودنا، تلقائياً، الى السؤال عن هذا الكمّ الهائل من السلاح. ولا يكفي الزّعم “إنه غنائم حرب”، فالجيش السوري لم يخسر 1200 دبابة من مستودعاته، بل بضع عشرات من نقاط محيطة مبعثرة قليلة الحماية. كما إن “داعش”، الذي استولى على بعض معدات الجيش العراقي في الموصل وغيرها، لم يستولِ على 1200 دبابة وآلاف المدرعات، بل كانت معظم غنائمه العسكرية سيارات همر ومدرعات لم تتجاوز 500 عربة، وهذا يضعنا أمام حقيقة أخرى، هي أن هذا الجيش الضخم والهائل للتنظيمات الإرهابية المسلحة من حلب، إلى الشرق والموصل، إلى الجنوب السوريّ، كانت له مصادر تمويل وتذخير وإمداد خارجية، وهناك ملفات ظهرت، الآن، عن صفقات أسلحة ودبابات من أوكرانيا ودول أوروبا الشرقية، اشترتها دول خليجية، وشحنتها إلى تركيا والأردن ومن ثم إلى الحدود السورية لتدخل المعارك، وأحيانا، كانت تصل المجنزرات والمدرعات وهي جديدة. وفي إحدى المعارك كانت تُنفذ رحلاتٌ متلاحقة لبناء جسر جويّ، لا تشبهها إلا رحلات الجسر الجوي الأميركي إلى “إسرائيل” أثناء حرب تشرين 1973.

وهنا، نصل إلى رقم الــ(137 مليار دولار)، وهو لايزال الرقم الوحيد، الذي تم الكشف عنه في اعترافات “هوميروس قطر”/ حمد بن جبر آل ثاني، في حديث (الصّيدة) الشهير، والذي أقرّ فيه أن قطر و”تحالف أصدقاء سورية”!!! ضخّوا (137) مليار دولار لدعم جيوش الإرهاب المسلّح (حتى عام 2015، تقريباً)، وهذا الرقم لم يكن لشراء اللافتات السّلمية ولا لكتابة شعارات الثورة ورسم أعلامها وكروكيات وجوه فيصل القاسم والعرعور وغليون على الجدران، فهذا الرقم الهائل، تقريباً، هو ثلث المبلغ الذي ستدفعه السعودية إلى مصانع السلاح الأميركية لتشتري أسلحة من مختلف الأنواع، في أكبر صفقة عسكرية في التاريخ.

لذلك، يمكن القول إن ما أُطلقَ عليه اسم “الثورة السورية” هو أكبر تنظيم إرهابيّ مسلّح في العالم، وإن السلاح، الذي قُدم له، جعله أول جيش إرهابيّ في العالم يحصل على هذا الكم الهائل من الدبابات والمدرعات والمخازن والذخيرة ــ ناهيك عن السلاح الكيماوي ــ وإن أكبر عملية تمويل لأضخم عصابات في العالم كانت للعصابات الإرهابية الخطيرة على الأرض السورية، وإن أكبر مواجهة في التاريخ بين جيش نظاميّ وجيش إرهابيّ هي المواجهة التي تمت على الأرض السورية، وإن أعظم نصر في التاريخ هو الذي حققه الجيش السوري وحلفاؤه. وطبعاً، يمكن لكتاب غينس، الآن، أن يضيف إلى قائمته رقماً جديداً، هو الرقم المعبّر عن “عدد أكبر جيش إرهابي تم تشكيله في العالم”، وهو جيش ما يسمى “الثورة السورية”، بدليل وجود نصف مليون ارهابي من كل العالم ومعهم آلاف الدبابات والمدرعات، ويمكن لكتاب غينيس أن يسجّل أنّ أكبر مؤامرة كونية في التاريخ البشري حدثت على سورية، وأنّ أضخم ميزانية خُصصت لعصابةٍ في التاريخ هي ميزانية عصابة مايسمى “الثورة السورية”.

إنّ هذه الأرقام، التي وردت، أعلاه، هي السبب الحقيقي لقرار ترامب بالانسحاب، فبعد أن تمت إبادة أكبر جيش إرهابيّ في التاريخ ــ بعد الجيشين “الإسرائيلي” و”الأميركي” ــ لم يبق للأميركيّ، هنا، مايستحق الحفاظ عليه، ولذلكَ قال “ترامب”: لم يبق إلا الرّمال. وهذا الإنجاز السوريّ هو سببُ تواضع تركيا في طموحاتها وركوعها على الحدود، أيضاً، وهو سبب تدفق السفارات والسفراء، إلى دمشقَ، يتدفقونَ إلى دمشقَ صاغرين، وهم الذين كانت دولهم تحلم أن يُحكم قاسيونَ من تلك السفاراتِ، وأن يقبل قاسيون جلابيبها وعباءاتها، ويكون بوّاباً على أبواب سفاراتهم(!)
ولكن، بعد انتصار سورية، لم يعد للسفارات أي وسيلة للعودة إلا تقديم فروض الطاعة لقاسيون، والانصياع له، والانحناء عند قدميْه وتقبيل حذائه، وطلب مغفرته، والبكاء والعويل، ندماً.
نارام سرجون.

تاريخ النشر

09.01.2019

قراءة المزيد: